ابن تيمية
110
مجموعة الرسائل والمسائل
الحوادث من الممكنات فهو حادث كائن بعد إن لم يكن ، وهو مخلوق مصنوع مربوب ، وأنه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن مربوب شيئاً قديماً فضلاً عن أن يقارن حوادث لا أول لها ، ولهذا كانت حركة الفلك دليلاً على حدوثه كما تقدم التنبيه عليه ، وأما الرب تعالى إذا قيل لم يزل متكلماً إذا شاء ولم يزل فاعلاً ، لم يكن دوام كونه متكلماً بمشيئته وقدرته ودوام كونه فاعلاً بمشيئته وقدرته ممتنعاً ، بل هذا هو الواجب لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه ، فالرب تعالى أحق أن يتصف به من كل موصوف بالكلام ، إذ كل كمال يثبت للمخلوق فالحق أولى به ، لأن القديم الواجب الخالق أحق بالكمال من المحدث الممكن المخلوق ، ولأن كل كمال يثبت للمخلوق فإنما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من الكمال وجب له ، فإنه لو لم يجب له لكان إما ممتنعاً وهو محال بخلاف الفرض ، وإما ممكناً يتوقف ثبوته له على غيره والرب تعالى لا يحتاج في ثبوت كماله إلى غيره ، فإن معطي الكمال أحق بالكمال ، فيلزم أن يكون غيره أكمل منه أو كان غيره معطياً له الكمال وهذا ممتنع ، بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه متكلماً على غيره ، فيجب ثبوت كونه متكلماً وأن ذلك لم يزل ولا يزال ، والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازماً له بدون قدرته ومشيئته ، والذي لم يزل يتكلم إذا شاء أكمل ممن صار الكلام يمكنه بعد أن لم يكن الكلام ممكناً له ( 1 ) . وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وإن قيل أنه ينادي ويتكلم بصوت لا يلزم من ذلك قدم صوت معين وإذا كان قد تكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين ، وإن كان نوع الباء والسين قديماً لم يستلزم أن تكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة ، لما علم من القرآن من الفرق بين النوع والعين ، وهذا الفرق ثابت في الكلام والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات وبه تحل هذه الإشكالات الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها وقدمها وحدوثها
--> ( 1 ) هذا المذهب هو الذي قرره شيخنا في رسالة التوحيد بأوضح بيان عند إثبات الصفات ولكنه لم يفصل فروعه الآتية